أحمد بن محمود السيواسي

87

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 168 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 168 ) قوله ( يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ ) أي من بعضه ، إذ لا يؤكل كل ما فيها ( حَلالًا طَيِّباً ) أي مستلذا أو طاهرا من الشبهة ، نصب بأنه مفعول « كُلُوا » أو نصب على الحال مما في الأرض ، والحلال كل شيء لا يعاقب عليه باستعماله ، نزل حين حرم خزاعة وثقيف وبنو عامر من العرب على أنفسهم أشياء مما أحل اللّه عليهم كالبحيرة والوصيلة والسائبية وغير ذلك من الحرث والأنعام ، فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك « 1 » وقال : كلوا ما أحل اللّه لكم ( وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ) بسكون الطاء وضمها « 2 » ، أي آثاره وطرقه فتدخلوا في حرام وشبهة ، ثم أعلمهم بحال الشيطان للاحتراض عنه بقوله ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) [ 168 ] أي مظهر العداوة أو ظاهرها لا خفاء به . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 169 ] إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 169 ) وعلل ترك اتباع الشيطان بقوله ( إِنَّما يَأْمُرُكُمْ ) أي يوسوس لكم الشيطان ، شبه بعثه على الشر بأمر الآمر الذي يستدعي إطاعتهم ( بِالسُّوءِ ) أي الإثم الذي لا يجب فيه حد ( وَالْفَحْشاءِ ) أي أقبح المعاصي الذي يجب فيه الحد ( وَأَنْ تَقُولُوا ) أي ويأمركم بأن تتكلموا ( عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) [ 169 ] من تحريم الحرث والأنعام ، يعني بأن تكذبوا على اللّه وتقولوا بغير علم من قبل أنفسكم حرم اللّه علينا هذا وأحل ذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 170 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) ( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ) أي للمشركين من الناس ( اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ ) أي اعملوا باتباع القرآن ، يعني بتحليل ما أحل اللّه وتحريم ما حرم اللّه في القرآن ( قالُوا ) لا نتبع ما أنزل اللّه ( بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا ) أي وجدنا ( عَلَيْهِ آباءَنا ) فهم كانوا أعلم منا فقلدوا آباءهم مع جهلهم فقال تعالى ردا عليهم بهمزة الإنكار والتعجب مع واو الحال بعدها ( أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ ) أي أيتبعونهم في حال كون آبائهم ( لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً ) من الدين القيم ( وَلا يَهْتَدُونَ ) [ 170 ] للصواب والحق . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) بدعائهم الأصنام وعبادتهم إياها ( كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ) أي يصوت ( بِما لا يَسْمَعُ ) أي بالذي لا يدرك من البهائم بالاستماع ( إِلَّا دُعاءً ) أي صوتا من الناعق ( وَنِداءً ) أي زجرا مجردا من غير فهم شيء آخر وحفظه كما يفهم العاقل ويجيب ( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ) رفع على الذم بتقدير هم ، يعني كأنهم صم يتصاممون عن سماع الحق ، خرس لا يتكلمون بالحق ، عمي لا يبصرون الهدى ( فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) [ 171 ] أي لا يفهمون شيئا من مواعظ القرآن كالبهائم . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا ) رزقكم ( مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) أي من حلالته بتحليلنا ، فان رضاء اللّه بأن

--> ( 1 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 175 ؛ وانظر أيضا الواحدي ، 40 ( عن الكلبي ) . ( 2 ) « خطوات » : قرأ نافع والبزي والبصري وشعبة وحمزة وخلف باسكان الطاء ، والباقون بضمها . البدور الزاهرة ، 43 .